محمد بن أحمد النهرواني
310
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وكم أريق بسبب هذه الفتنة من دم لا ذنب لصاحبه ، وكم قتلت بالتوهم نفس مظلومة لا جرم لهم في هذه البلاد ونوائبه . شعر : لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم واستمر رستم باشا خائفا يترقب إلى أن أمرضه الوهم وأنحله ، فصار في فراشه يترقب إلى أن وافاه أجله المعتوم ، فمات وأقدم على اللّه الحي القيوم ، واللّه أعلم بما تخفى الصدور ، وهو الرؤوف الرحيم ، وكانت وفاته في سنة 968 ه ، ودفن في تربة قرب تربة الشاهزاده السلطان محمد - رحمة اللّه عليه ورضوانه - . وولى الوزارة العظمى على باشا ، وكان من جنس اليوسنية ، وكان جسيما طويلا وظنا فطنا منهيما نبيلا على خلاف ما ترى من عظم هيكله وسمن بدنه ، فإنها مظنة البلادة في الأكثر ؛ فإذا أخطأ فيه مقتفاه زادت الفطانة غاية كما تنقل هذه الهيئة عن الإمام محمد صاحب أبي حنيفة - رحمه اللّه تعالى - فإنه كان في غاية الفطنة والذكاء يضرب به المثل في ذلك ، فكان على باشا له فضله في الإنشاء ونظر في التاريخ ، اجتمعت به في رحلتي إلى أسطنبول في سنة 960 ه ، فو اللّه لطيف المجاورة حسن المفاكهة لذيذ المصاحبة ، ذكر لي بعض غزواته الدالة على قوة شجاعته ، وأنه باشر قتال الكفار بنفسه وأنه افتتح قلعة عظيمة لهم ، اقتلعها منهم ، فقلت له : إن لم تقيد ما ذكرتموه بالتدوين يذهب من الخواطر ، ولا يعلم تفصيله بعد مضى سنوات قليلة ؛ فإذا أفنى من كان حاضرا في هذا الغزا فنى خبره أيضا ، ولم يذكره أحد بعد ذلكي مطلقا ، وينمحى علمه من صفحات الوجود بعد قليل ، وذكرت له اعتناء علماء العرب بعلم التاريخ ، وإن من جملة كتب التاريخ اللطيفة ( الروضتين في أخبار الدولتين ) لابن أبي شامه ، ذكر فيها دولة السلطان نور الدين الشهيد والسلطان صلاح الدين بن أيوب وغزواتهما مع إفرنج ، وافتتاح البلاد ، ومداومتهما على الجهاد ، وهو كتاب في غاية اللطف وحسن الوضع ، باق على صفحات الزمان ، معلوم عند القاضي